الشنقيطي

230

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز ، وأن فيه من الجراءة على اللّه جل وعلا ما اللّه عالم به ، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق اللّه الوجود فقط وهو صحيح ، لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز ، وإن كان المقصود به صحيحا ؛ لأن الصفة النفسية في الاصطلاح لا تكون إلا جنسا أو فصلا ، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان ، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان ، ولا يخفى أن الجنس في الاصطلاح قدر مشترك بين أفراد مختلفة الحقائق كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار ، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان ، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلا : المشارك له في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية ، ووصف اللّه جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحا ما بينا لك ؛ من أعظم الجراءة على اللّه تعالى كما ترى . لأنه جل وعلا واحد في ذاته وصفاته وأفعاله ، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته ، ولا من صفاته ، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة . والفصل : هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض سبحان رب السماوات والأرض وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها ، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها ، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها ، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق ، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق ، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به لأن الكل من باب واحد ، لأن جميع صفات اللّه جل وعلا من باب واحد ، لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث . فمن ذلك : الصفات السبع ؛ المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي : القدرة ، والإرادة ، والعلم ، والحياة ، والسمع ، والبصر ، والكلام . فقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) [ البقرة : 284 ] . وقال في وصف الحادث بها : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [ المائدة : 34 ] فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله ، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث الفناء ، وبين قدرته ، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه . وقال في وصف نفسه بالإرادة : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 ) [ هود : 107 ] ، إِنَّما أَمْرُهُ إِذا